محمد بن جرير الطبري

71

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وأنا علما أن لن نعجز الله في الأرض إن أراد بنا سوءا وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً أن طلبنا فنفوته . وإنما وصفوا الله بالقدرة عليهم حيث كانوا . وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ يقول : قالوا : وأنا لما سمعنا القرآن الذي يهدي إلى الطريق المستقيم آمنا به ، يقول : صدقنا به ، وأقررنا أنه حق من عند الله ، فمن يؤمن بربه فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً يقول : فمن يصدق بربه فلا يخاف بخسا : يقول : لا يخاف أن ينقص من حسناته ، فلا يجازى عليها ؛ ولا رهقا : ولا إثما يحمل عليه من سيئات غيره ، أو سيئة يعملها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً يقول : لا يخاف نقصا من حسناته ، ولا زيادة في سيئاته . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً يقول : ولا يخاف أن يبخس من عمله شيء . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فَلا يَخافُ بَخْساً أي ظلما ، أن يظلم من حسناته فينقص منها شيئا ، أو يحمل عليه ذنب غيره وَلا رَهَقاً ولا مأثما . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً قال : لا يخاف أن يبخس من أجره شيئا ، ولا رهقا فيظلم ولا يعطى شيئا . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل النفر من الجن : وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ الذين قد خضعوا لله بالطاعة وَمِنَّا الْقاسِطُونَ وهم الجائرون عن الإسلام وقصد السبيل . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن مسعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ قال : العادلون عن الحق . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : الْقاسِطُونَ قال : الظالمون . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : الْقاسِطُونَ الجائرون . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله : الْقاسِطُونَ قال : الجائرون . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : المقسط : العادل ، والقاسط : الجائر وذكر بيت شعر : قسطنا على الأملاك في عهد تبع * من قبل ما أدرى النفوس عقابها وقال : وهذا مثل الترب والمترب ؛ قال : والترب : المسكين ، وقرأ : أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ قال : والمترب : الغني . وقوله : فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ يقول : فمن أسلم وخضع لله بالطاعة ، فأولئك تعمدوا وترجوا رشدا في دينهم . وَأَمَّا الْقاسِطُونَ يقول : الجائرون عن الإسلام ، فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً توقد بهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ يقول تعالى ذكره : وأن لو استقام هؤلاء القاسطون على طريقة الحق والاستقامة لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً يقول : لوسعنا عليهم في الرزق ، وبسطناهم في الدنيا لنفتنهم فيه ، يقول لنختبرهم فيه . واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال